ساسي سالم الحاج

17

نقد الخطاب الاستشراقي

الفصل الأول مفهوم الاستشراق ليس أشق على الباحث من التعريف بالأفكار العلمية المجرّدة ، لأن العلم دوما قابل للتطور ، ولأن هذا التطور المستمر يكشف عن جوانب كانت دفينة من قبل أو كانت ناقصة ليست وافية بالغرض والمجال الذي يعالج فيه ذلك العلم . وظاهرة التطور والتغيير تشمل جميع العلوم حتى التطبيقية منها ، والتي بلغت شأوا في الثبات والتحديد يعتقد معه أنها بمنجاة من ذلك التطور والتغيير . ومن أجل هذا فإن إعطاء تعريف لعلم الاستشراق هو ضرب من المحال ، وكل تعريف نجهد أنفسنا لإعطائه لا يكون شاملا جامعا مانعا كما يقول المناطقة . ثم إننا نرى عدم اللجوء إلى هذه التعريفات الجاهزة التي غالبا ما تضع الباحث حتما ومباشرة داخل سياج وفي خضم من المشاكل الفنية والعلمية لا نهاية لها . ذلك أن المفكر المستنير عليه تجنب تعاريف أي علم وعليه أن يتحرر من هذه التعريفات الجامدة ، لأنه لن يبقى أسيرا لآراء أرسطو في هذا الخصوص ، ولأن التعريف غالبا لا ينطبق عليه ما يشترط فيه المناطقة من أن يكون جامعا لكل فرد من أفراد المعرّف لئلا يتوهم أن بعض أفراد المعرّف ليست منه ، وأن يكون مانعا من دخول فرد من غير المعرّف فيه ، وإلّا يستلزم المحال : كالدور والتسلسل واجتماع النقيضين ، وأن يكون التعريف أجلى من المعرف ليكون أوضح وأيسر عند العقل ، وليكون ذلك موصلا إلى الغرض المقصود من التعريف . لقد واجهنا العديد من الصعوبات لإقناع صنّاع الرسائل العلمية الجامعية العليا والمشرفين عليها بالالتفات عن التعريفات للمسائل التي يبحثونها ، وغالبا ما استغرقت هذه المناقشات ساعات طويلة دون فائدة . كما أن طلبة الدراسات العليا يستغربون عندما نحدثهم بعدم اللجوء إلى التعريفات لعدم دقتها ووضوحها ، وعلينا بهذه المناسبة